6/08/2008

حول الحكومة الإسلامية

حول الحكومة الإسلامية

مازالت تتردد من حين لآخر بعض الأفكار الخاطئة التي يرددها البعض جهلا، ويكررها البعض سعيا للفتنة. ومنها

الحكم باسم الله

فيقولون "إن الحكم الإسلامي سيكون فيه الحاكم متحدثا باسم الله. أو "إن قول الحاكم سيكون هو قول الله"

وهذا قول يدل على فهم خاطئ للفكر الإسلامي، والتاريخ الإسلامي معا. فليس في الإسلام من يتحدث باسم الله. وليس من يحكم باسم الله، لا من الحكام أو العلماء أو الفقهاء. وعندما نقول إن العلماء ورثة الأنبياء، فهم لم يرثوا النبوة، ولا ورثوا الوحي ولا ورثوا العصمة. وإنما ورثوا العلم، وهو تركة الأنبياء، وورثوا واجب البيان للناس، واجب البلاغ. فإن جاز لبعض الناس أن يسكت على باطل اتقاء لشر أو دفعا لضر، لم يجز ذلك للعلماء. فسكوت العلماء يوقع الأمة في الحيرة ويفضي بها إلى الضلال. صمتهم على الباطل مهلك للجميع.

وأغلب ظني أن هذا الفهم المغلوط لفكرة الحكم الإسلامي يرجع إلى القياس على الحكم الكنسي في العصور الوسطى لأوروبا. فالبابا وفق الفهم المسيحي معصوم يتلقى الوحي. وقوله هو قول الله. فهو يعدل النبي عند المسلمين. وليس في الإسلام مثل ذلك. فالحاكم والعالم والقاضي والفقيه، كلهم تبع لقول الله عز وجل. ويرد على أي منهم كل من رأى في قولهم أو فعلهم ما يخالف قول الله أو حكمه.

ولو رجعنا إلى التاريخ الإسلامي لوجدنا من راجع عمر بن الخطاب في أحكام له، ولم يقل عمر إنني حاكم باسم السماء، بل رجع عن حكمه حين وجده مخالفا لقول الله. وحين راجع الناس عثمان لم يكفرهم، ولكن سمع منهم وقبل منهم بعض قولهم، وعزل العامل الذي كرهوه، وولى عليهم من أرادوا، وجدد منهم البيعة على الشرط الذي شرطوه. وعندما كفّر الخوارج علياً رضي الله عنه، لم يقاتلهم إلا عندما بدؤوه. ولم يكفّرهم ولا كفّر أهل الشام، وإنما قال "إخواننا بغوا علينا". والأمثلة على مثل ذلك في تاريخ الإسلام لا تعد ولا تحصى. بل إن الأولى بنا أن نرجع إلى قدوتنا الأولى وأسوتنا الحسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد راجعه أصحابه في أمور كثيرة، فسمع منهم، وقبل منهم إذا كان ما جاؤوا به خير. ففي غزوة بدر راجعه أحد الصحابة في المنزل الذي نزلوه، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنزل الذي اقترحه، وقبلها قال لهم أشيروا علي أيها الناس، ولم يتحرك إلا بعد أن سمع موافقة المهاجرين والأنصار، وفي أحد ترك عليه الصلاة والسلام رأيه إلى الرأي الغالب في أصحابه. أما إذا كان في الأمر وحي، أو أمر من الله. فهو أمر واجب الطاعة، وأحق الناس بالطاعة رسول الله.

وهنا وجه الخلاف بين دعاة المرجعية الإسلامية، ودعاة غيرها من المرجعيات. فنحن نرى أن ما نزل فيه حكم قاطع، أو نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وجب علينا الالتزام به، ولم يكن لنا أن نجاوزه إلى غيره. أما ما كان غير ذلك فأمره إلى الناس، يرون فيه رأيهم.

فالحاكم في الدولة المسلمة، لا يمثل الإسلام، وإنما يتمثل بالإسلام.

مسألة السمع والطاعة،

إن أمر السمع والطاعة ليس بدعا في النظام الإسلامي، فالأصل في الحاكم أن يطاع. والطارئ على هذه الطاعة هو حدود الطاعة. والبيعة في النظام السياسي الإسلامي هي عقد بين الحاكم (الإمام أو الأمير أو السلطان) وبين الشعب أو الرعية. وهذا العقد يلزم الطرفين بأمور، فيلزم الحاكم بالعمل وفق مقتضى الشرع، ويلزم الرعية بطاعته ما لم يأمر بما يخالف أمر الله. ومن الممكن أن يتم تطوير هذا العقد ليشتمل على شروط أو ضوابط تحد من صلاحية الحاكم في اتخاذ القرار أو إصدار الأحكام. وقد رأينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يقبل من الناس شرطهم أن لا ينفق من بيت المال إلا بموافقة أهل الشورى من الصحابة. ولم يقل أحد من الصحابة أن هذا مخالف للشرع ولا أن الخليفة مفوض من قبل الله ليفعل ما يشاء، وليس لأحد أن يحاسبه أو يراجعه. فليس في الإسلام ما يشبه الحق الإلهي للملك، الذي قالت به الكنيسة في أوروبا.

ولكن اجتماع كلمة المسلمين واجب، وتوحيد صفهم فرض. وهذا الاجتماع والتوحد لا يكون إلا بإمام يجمع كلمتهم ويوحد صفهم ويحكم بينهم. ولا يتم ذلك كله إلا بأن يطاع هذا الإمام في ما يقول، ولما كان أصل واجب الحاكم في الإسلام العمل على إقامة الشريعة – تطبيق القانون- فليس له طاعة في ما يخالف هذه الشريعة – القانون.

فالحاكم كما قلنا ليس مطلق الصلاحية يأمر بما شاء، وإنما يأمر ضمن ما له من صلاحيات. وهذه الصلاحيات محكومة بأمرين، أولهما: أمر الله عز وجل، فليس له أن يحكم بما يخالف أمر الله، فالله تعالى قد حرم الربا، فليس لحاكم أن يأمر به. وحرم الشذوذ فليس لحاكم أن يبيحه. والله تعالى قد أمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فليس لحاكم أن ينهى عن شيء منهم. والأمر الآخر: ما يتوافق عليه الناس من ضوابط، حسب تطور الفكر البشري. فإن توافقوا على أنه ليس للحاكم أن يعزل القاضي أو يحاسبه، كان الأمر كما توافقوا. وإن اشترط الناس في البيعة أن لا يعلن حربا إلا بموافقة مجلس الشعب أو مجلس الأمة، كان كذلك. وإن تعاقدوا على أن البيعة لزمن محدود، فهي إلى أجلها. فالعقد شريعة المتعاقدين، والناس عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. فلا يجوز أن يكون الشرط أن يسقط حدا من حدود الله، أو يبيح محرما أو أن يمنع فرضا.

فإذا نظرنا إلى الأحوال الراهنة اليوم، نرى أن نصوص الشريعة – قطيعة الثبوت قطعية الدلالة – هي أقرب شيء إلى مبادئ القانون أو إلى الدستور، وإن كان الدستور يتضمن حدودا أخرى للحقوق والواجبات، مع فارق كبير. فالحاكم اليوم يملك تغيير القانون وقت يشاء، ويملك تعديل الدستور إذا أراد. وقد رأينا مثل ذلك حديثا في سوريا وأحدث منه في مصر. ولكن شرع الله لا يتغير ولا يتبدل. فالناس حين تختار الإسلام نظاما تعرف ما هو، وتضمن أن لا يبدله حاكم إذا رأى فيه ما يخالف هواه أو يخالف مصلحة رجاله. وثوابت شريعة الإسلام لا تتبدل. أما ما فيه خلاف بين العلماء فالناس في سعة من الأمر يأخذون بالأوفق لهم والأصح. ويدخل في معنى الأصح الأقرب إلى الثبوت والأقرب إلى المصلحة.

الفقهاء في الفكر الإسلامي

تظل مسألة الفقهاء التي يكثر فيها اللغط، ظنا من البعض – وتدليسا من آخرين- أنهم مثل الكنيسة. قولهم قول الله وليس الأمر كذلك. بل هم خبراء القانون وفقهاؤه. وقول كل واحد منهم هو رأي شخصي، ولكن إجماعهم حجة. مثل إجماع رجال القانون. فنحن نسمع من يقول إن خبراء القانون وفقهاءه قد أجمعوا على كذا وكذا. وإجماعهم هذا حجة على الجميع. وسوابق القضاء حجة على القضاة يستند عليه المتقاضون ويستند إليه القضاة في أحكامهم. فلماذا ننكر على الفقهاء إتباعهم للسوابق الفقهية؟ مع اعترافنا لهم بجواز مخالفة السوابق مراعاة لما جد في أحوال الناس ومعايشهم. وفق أصول الفقه، وقواعد اللغة التي نزل بها القرآن وجمع بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمطلوب هو حياطة الفتوى من أهواء البعض وأغراضهم. والحفاظ على استقلال الفقهاء عن أي سلطة تؤثر على أحكامهم وفتاواهم. كما نادى برعاية استقلال القضاء، حفاظا على القضاة من الخضوع لأي سلطة تحد من قدرتهم على إقرار الحقوق.

فالفقه، كالقضاء، جهد بشري لفهم شريعة الله عز وجل وتطبيق أحكامه، ولكن لم يقل عاقل أن الله يتنزل على الناس ليحكم بينهم، إلا يوم القيامة. أما قبل ذلك فالناس مكلفون بإقامة حكم الله، وكل تكليف مقيد بالاستطاعة، فنحن مكلفون بإقامة حكم الله قدر جهدنا، ومادام جهدا بشريا فهو عرضة للقصور والنقص والخطأ. وإلا لما اختلفت أحكام القضاة وآراء الفقهاء وأحكام الخلفاء على مر التاريخ الإسلامي.

والله أعلم..

هناك 11 تعليقًا:

NO PROBLEM يقول...

اخى الحبيب حسن بك مدنى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المشكلة ليست فى الحكومة الاسلامية فقط ولكن مثلها الاقتصاد الاسلامى والمجتمع الاسلامى والمعاملات الاسلامية وغيرها كثير من المفاهيم الاسلامية التى تحتاج لتدخل العلماء المسلمين لتوضيح وشرح تلك المفاهيم وتقريبها للمجتمع المعاصر وقد قدمت مساهمة بسيطة جدا من خلال مدونتى قارنت فيها بين الاتيكيت والدبلوماسية فى الحضارة الاسلامية والعصر العديث من خلال مدونتى طرقعات فجائية على مكتوب واتمنى تشريفك واطلاعك على الموضوع ولك خالص تحياتى
اخوكم طارق الجيزاوى

محمد مارو يقول...

الله على المعلومات

انا بجد بعتبر المدونه دى كا مصدر توثيق

بنت الاسلام يقول...

موضوع اكتر من رائع يا استاذ حسن ومثير للقلق والالتباس بين كثير من الناس

نعم الثوابت قطعا لاجدال فيها

اما الامور الاخري المتعلقة بالحكم وكيفيته فالقران اخبرنا

وأمركم شوري بينكم

وكانت كلمة الصحابي الجليل ابو ذر الغفاري

انتم اعلم بشئون دنياكم

جزيت خيرا علي الايضاح

تحياتي

محمد جمعه يقول...

جزيت خير استاذ حسن
فعلا انا اتفق معمارو فى تعليقة فكتاباتك وثائقية فعلا وانا استمتع بقراتى لها
فتعجز يداى عن التعليق لمثلك
جزيت الجنة

حسن مدني يقول...

أخي طارق
استمتع دائما بما تكتبه في مدونتك،
بارك الله فيك ونفع بك

تحياتي

حسن مدني يقول...

أخي مارو

أشكرك جدا

تحياتي

حسن مدني يقول...

الأخت بنت الإسلام/

قال تعالى "وأمرهم شورى بينهم"

أما "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"
فهو حديث شريف للنبي صلى الله عليه وسلم.

تحياتي

حسن مدني يقول...

اخي محمد جمعة/

جمعنا الله وإياك في الجنة

تحياتي

د/أبويحيى وادم يقول...

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

جزاكم الله خيرا اخانا الكريم على هذا البحث المفصل
الحقيقة رغم انى قرأت قبل ذلك مرات فى هذا الامر الا انى استفدت كثير بأعادة القراءة وهناك امور اتضحت لى اخرى

جزاكم الله عنا خيرا ووفقكم لما يحبه ويرضاه

والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته

د/أبويحيى وادم يقول...

بيان رقم 3

وبدأت مسيرة الحملة ولن تتوقف بأذن الله حتى نرى ثمارها

(لغتي هويتي)
إلى كل الايجابيين المشاركين معنا ،إلى كل من تعاطف ورحب بحملتنا ولا يعلم ماذا يفعل حان وقت العمل الواجبات العملية 1- أنظر فى مدونتك التي تكتب بها جيدا وحاول ان تجعلها خالية من الألفاظ الأجنبية الغير مطلوبة ولها بدائل عربية جميلة وكذلك المنتديات وتعليقاتك وردودك على المعلقين لديك وأسمك الذى تظهر به المدونة عند التعليق
2- موضوعك القادم بالمدونة أو المنتدى أن شاء الله يكون باللغة العربية قدرالمستطاع فى نفس المجال الذى تكتب به ولمزيد من نشر الحملة يا حبذا لو كان عن اللغة العربية وهذه بعض المواضيع التي اخترناها لك
0 تاريخ اللغة العربية 0 أثر تحول اللغة العربية إلى العامية على الهوية
0 بلاغة اللغة العربية 0 هذه مصطلحات غير عربية يجب الاستغناء عنها
0 مدى تأثير العربية في اللغات الأخرى 0 طرائف ونوادر في اللغة العربية
0 خواطر وأشعار حول اللغة العربية سواء من مكتوبك أو منقولك

3- هذه المواضيع المطروحة ما هي إلا مجرد أفكار لفتح باب التفكير و لك مطلق الحرية في اختيار مواضيع أخرى متعلقة بالأمر نفسه

4- إن قمت بكتابة موضوع بالفعل في الإطار الخاص بالحملة نرجوا إعلامنا به حتى نضع جميعا الرابط الخاص بالموضوع على المدونات ونجمع روابط كل المواضيع المتصلة بالحملة هنا بالمدونة
[Photo] قم بتفعيل الحملة بنشر الرسالة المتفق عليها لدى كل المدونات التي تعرفها وادعوهم للتفاعل معها وأشرح لهم الأسباب والهدف من الحملة
وفقنا الله جميعا وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

AbdElRaHmaN Ayyash يقول...

جميل جدا ما تقول يا اخ حسن
فعلا كلام رائع
اتمنى ان تكون بخير
سلام